محمد أبو زهرة
3620
زهرة التفاسير
بقوله : وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ وكلمة وَكانُوا تدل على أنهم كانوا كذلك في الماضي ، والوصف بالإجرام مُجْرِمِينَ يدل على استمرارهم فلم تكن دعوة الحق فيهم مستجابة . لذا قال تعالى في شأنهم مع رسولهم : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ( 76 ) . الفاء للترتيب والتعقيب ، والحق هو الدعوة إلى التوحيد وإلى اللّه وحده ، وقال سبحانه : مِنْ عِنْدِنا تكبيرا لذلك الحق ؛ لأنه من عند اللّه تعالى مالك الملك ذي الجلال والإكرام فوصفه سبحانه بالحق ، ووصفه بأنه الحق شرف ذاتي له وبكونه من عند اللّه تعالى شرف إضافى له ، وكلمة الحق تتضمن الدلالة على أنه حق لا ريب فيه . وقد آتى اللّه تعالى موسى تسع آيات بينات ويظهر أنه ابتدأ بتقديم العصا ، ولذا قالوا : إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ، بادروا فأكدوا أنه سحر مبين ، أي سحر واضح بين إِنَّ تدل على التوكيد وباللام وبالجملة الاسمية ، ذلك من مسارعتهم بالتكذيب ثم الانغمار فيه إلى آخر مداه ، ولقد تولى موسى عليه السلام المجاوبة وتركه فرعون يدافع عن دعوته . قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ( 77 ) . أي أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر ، جاهلين حقيقة الأمر فالاستفهام لإنكار قولهم وتوبيخهم عليه ، وكرر الاستفهام فقال : أَ سِحْرٌ هذا فكان الإنكار للجحود وقولهم الجاحد للحق والحقيقة ، والاستفهام للتوبيخ على قولهم وهو لإنكار الوقوع ، أي ليس بسحر ، وقد أكد سبحانه وتعالى بقوله : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ أي لا يفوز الساحرون في معركة الاستدلال والمنازلة ، وإذا لم يفلحوا فإنه يجب أن تؤمنوا ولكنهم لجوا في العناد وتمسكوا بما هم عليه . قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ( 78 ) .